ابن كثير

530

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يوما في كفه ، فوضع عليها إصبعه ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « قال اللّه تعالى : ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه ، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد ، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة ؟ » ورواه ابن ماجة « 1 » عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن جرير بن عثمان به ، ولهذا قال تعالى : وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ أي استبعد إعادة اللّه تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السماوات والأرض للأجسام والعظام الرميمة ، ونسي نفسه ، وأن اللّه تعالى خلقه من العدم إلى الوجود ، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده ، ولهذا قال عز وجل : قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ أي يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها ، أين ذهبت وأين تفرقت وتمزقت . قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا عفان ، حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي قال : قال عقبة بن عمرو لحذيفة رضي اللّه عنهما : ألا تحدثنا ما سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : سمعته صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إن رجلا حضره الموت فلما يئس من الحياة أوصى أهله إذا أنا مت فاجمعوا لي حطبا كثيرا جزلا ، ثم أوقدوا فيه نارا حتى إذ أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت ، فخذوها فدقوها فذروها في اليم ، ففعلوا ، فجمعه اللّه تعالى إليه ثم قال له : لم فعلت ذلك ؟ قال : من خشيتك ، فغفر اللّه عز وجل له » فقال عقبة بن عمرو : وأنا سمعته صلى اللّه عليه وسلم يقول ذلك وكان نباشا . وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير بألفاظ كثيرة منها أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه ثم يذروا نصفه في البر ، ونصفه في البحر في يوم رائح ، أي كثير الهواء ، ففعلوا ذلك ، فأمر اللّه تعالى البحر ، فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ، ثم قال له : كن ، فإذا هو رجل قائم ، فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : مخافتك وأنت أعلم ، فما تلافاه أن غفر له « 3 » . وقوله تعالى : الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أي الذي بدأ . خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر وينع ، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار ، كذلك هو فعال لما يشاء ، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء . قال قتادة في قوله الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ يقول الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه ، وقيل : المراد بذلك شجر المرخ والعفار ينبت في أرض الحجاز ، فيأتي من أراد قدح نار وليس معه زناد ، فيأخذ منه عودين أخضرين ، ويقدح أحدهما

--> ( 1 ) كتاب الوصايا باب 4 . ( 2 ) المسند 5 / 395 . ( 3 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 35 ، والأنبياء باب 54 ، والرقاق باب 25 .